نصر حامد أبو زيد

243

الاتجاه العقلي في التفسير

اصطلاح وليست توقيفا . ولقد حدّد القاضي عبد الجبار الغاية من المواضعة اللغوية بأنها الإخبار عن الأشياء حالة غيابها عن الحواس أو الإخبار عن تلك الأشياء التي لا تظهر للحس أصلا . وهي بذلك تعدّ بديلا للإشارة الحسية . وحين قارن بين المواضعة على الكلام ، والمواضعة على الحركات أو الإشارات ، انتهى إلى أن البشر تواضعوا على الكلام - الأصوات - لأنها أكثر اتساعا للتعبير عن حاجات الناس دون الحركات والإشارات . وانتهى القاضي إلى أن المواضعة على الأسماء مجرد مواضعة عرفية ، بمعنى أن العلاقة بين الاسم والمسمى علاقة إشارية بحتة ، والجماعة - بقصدها - هي التي تقيم هذه العلاقة ، وهي العلاقة التي نشير إليها اليوم باسم المعنى . وحين انتقل القاضي إلى اللغة على مستوى التركيب ربط بين قصد المتكلم والمعنى الذي يدل عليه كلامه . وكان هذا الربط نتيجة طبيعة لدوران هذه المباحث كلها في اطار الفكر الديني ، الذي يسعى إلى معرفة اللّه بتوحيده وعدله وقصده من كلامه . وإذا كانت معرفة قصد المتكلم شرطا أساسيا لمعرفة ما يدل عليه كلامه ، فلا مانع والحالة هذه من وقوع الاشتراك والاتساع والمجاز في الكلام . فذلك كله لن يؤدّي لاستغلاق معنى الكلام ، لأن معرفتنا بقصد المتكلم وحاله تجعلنا قادرين على فهم ما يريد التعبير عنه . وكان هذا كله دفاعا عن وجود المجاز في القرآن - كلام اللّه - ونفي صفة الكذب عنه . ولقد تحدّد مفهوم المجاز نفسه باعتباره قسيما للحقيقة على يد المعتزلة ابتداء من الجاحظ . ولا شك أنهم قد استفادوا من جهود المفسّرين واللغويين حول النص القرآني . وإذا كان المصطلح نفسه لم يرد في القرآن ، لا بمعناه اللغوي أو الاصطلاحي ، فقد كان مصطلح « المثل » هو المصطلح البديل في مرحلة نشأة التفسير الذي ارتبط بالخلاف حول تأويل النص القرآني بين الفرق المختلفة . وكان ورود هذا المصطلح بكثرة في القرآن بمثابة اعطاء شرعية له ليستخدم في الدلالة على عدم إرادة المعنى الحرفي للفظ أو العبارة . ومع نمو حركة التفسير والتأويل تحددت عناصر المجاز وأنواعه المختلفة كالكناية والتشبيه والاستعارة والحذف وغيرها . ولم ينفصل هذا التحديد عن الغاية التأويلية للنص القرآني . ومما له دلالته في هذا الصدد أن أول كتاب اتخذ « المجاز » عنوانا له ، هو كتاب « مجاز القرآن » لأبي عبيدة الخارجي . وهو كتاب يتعرّض لتأويل آيات كثيرة تأويلا يتفق في عمومه مع معطيات الفكر الاعتزالي ، خصوصا أفكار التوحيد والتنزيه التي التقى فيها الخوارج مع